بسم الله الرحمن الرحيم
دراسة في بنية الأحزاب الشيعية الرئيسية في العراق
خالد شوقي البغدادي
مقدمة:
وقف العالم كله مذهولاً في يوم 9/4/ 2003م أمام مشهد الدبابات الأمريكية وهي تتجول في شوارع بغداد؛ وسط غياب تام للجيش وأجهزة الأمن والمخابرات العراقية، إذ لم يكن من المتوقع أبدا أن تسقط بغداد في يد الغزاة بهذه السرعة.
ولقد قدر ليوم الإحتلال هذا أن يكون زلزالا بكل معنى الكلمة؛ لم تتوقف آثاره على الجانب السياسي فحسب؛ وإنما امتدت جذوره عميقة في الوعي واللاوعي العربي والإسلامي، وعلامة فارقة بين زمنين عربيين مختلفين؛ إذ تلاشت الشعارات والخطب الرنانة التي كان يرفعها النظام العراقي السابق، واختفت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وبرزت صور أخرى مختلفة لم يألفها المواطن العربي من قبل، وحلت في المخيلة العربية صورا جديدة للعراق والعراقيين لا علاقة لها بالماضي، وأصبح الجميع أمام مشاهد مختلفة وغنية من العنف الطائفي والتنافس السياسي اللاأخلاقي والتصارع على الغنائم بصورة لم يعرفها تاريخ العراق من قبل.
وكان طبيعياً أن تفرز كل هذه الأحداث والمتغيرات نظرة مختلة وغير دقيقة للواقع العراقي؛ غلبت عليها روح التشفي عند البعض، والتخبط عند البعض الآخر.
وكان من أخطر معالم المرحلة الجديدة هي الطائفية؛ التي كشرت عن أنيابها بصورة لم تؤلف أو تعرف عن العراق من قبل، وصكت أسماع العالم أسماء أحزاب شيعية؛ رفعت شعار المظلومية المذهبية والسياسية والإجتماعية؛ بما يخالف حقائق التاريخ العراقي الحديث.
لم يعرف تاريخ العراق الحديث صراعا طائفيا بين مكونات الشعب العراقي بأي شكل من الأشكال؛ إذ ظل الإختلاف المذهبي حالة إجتماعية لا تستدعى إلا نادرا لدى الأعم الأغلب من العراقيين، وساهم التركيب الإجتماعي للعراقيين في ترسيخ هذا التسامح؛ حيث أن معظم العشائر العراقية هي موزعة الإنتماء طائفيا تبعا لمناطق تواجدها الجغرافية، وكان من الطبيعي أن تجد عشائر سنية في الشمال والوسط وشيعية في الجنوب، والعكس صحيح.
لكن العالم فوجىء صبيحة الإحتلال بحديث غير مألوف عن أقلية مزعومة مارست القمع بحق أكثرية مزعومة أيضا، وجيّر قمع السلطة السابقة بحق معارضيها على اختلاف انتماءاتهم لصالح فكرة القمع الطائفي الذي مارسه السنة ضد الشيعة!! وظهرت مزاعم لا تستند إلى أدلة علمية بوجود أكثرية شيعية رغم أنه لم يجر في تاريخ العراق إحصاء على أساس طائفي، وهو أيضا مخالف لحقائق التوزيع الجغرافي على الأرض، وشاع في كثير من الأوساط السياسية والثقافية تفسير تآمري للتاريخ، ونسجت قصص كثيرة حول تآمر سنة العراق مع البريطانيين لاحتكار السلطة وإبعاد الشيعة عن الحكم، وهو ما لم تذكره أي وثيقة تاريخية لا عراقية ولا بريطانية ولا غير ذلك.
ثم بدأت حلقة أخرى من مسلسل سوداوي لا يزال العراق يتخبط فيه؛ وهي المذابح الطائفية؛ التي بدأت باستهداف بعض الشباب الشيعة الذين تحولوا إلى المذهب السني على يد مليشيات شيعية، ثم بدأت الاغتيالات تطال أئمة المساجد وضباط الجيش السابق، وساهم الحاكم الأمريكي السابق بول بريمر في ترسيخ الطائفية السياسية عبر حل الجيش السابق وإعادة تشكيله على أسس مختلفة تندرج ضمن رؤى الأحزاب الطائفية القادمة من الخارج.
وبدأت المذابح الطائفية تستعر بين الطرفين تحت عناوين مختلفة من (فيلق بدر) و(جيش المهدي) وغيرها، واختلطت الأوراق أمام الجميع، ودخل أكثر الناس في حيرة من كل ما يرونه أمامهم.
وبرزت في هذا المشهد صور قاتمة كثيرة عن التدخل الإيراني السافر في العراق، ودعمه اللامحدود للأحزاب الشيعية في عمليات التطهير الطائفي وتغيير هوية الغالبية السنية في العراق بعدة طرق؛ على رأسها الدعم العسكري المفتوح للمليشيات الطائفية، والتي خاضت واحدة من أخطر حروب التطهير الطائفي والعنصري منذ عقود، وذكرت العالم بوحشية (الخمير الحمر) و(صرب البوسنة)، وربما فاقتها بشاعة في كثير من التفاصيل.
وللوقوف على تفاصيل هذا المشهد بدقة؛ لا بد من دراسة أولية للبنى الفكرية والسياسية والتنظيمية للأحزاب الشيعية في العراق، ولا سيما الكبيرة منها، والتي نالت الحظوة السياسية والاجتماعية بعد احتلال العراق، وتصدرت المشهد الطائفي الشيعي، وهي ليس كما يظن الكثيرين من أنها متوحدة في رؤاها وتصوراتها وبرامجها السياسية، إذ على العكس من ذلك؛ فهي مختلفة فيما بينها أشد الإختلاف، وربما ساهمت الحرب الطائفية التي أشعلت نيرانها أمريكا وإيران في العراق في توحيد مواقف هذه الأحزاب، على الأقل فيما يتعلق بالموقف من أهل السنة عموما، وفصائل المقاومة خصوصا.
أولا: حزب الدعوة الإسلامية
يعد حزب الدعوة من أوائل الأحزاب التي ظهرت في الساحة الشيعية وحملت آيدلوجيا مذهبية شيعية، ورغم أنه قد سبقته بعض الجماعات والجمعيات الصغيرة في تبني هذه الرؤى؛ مثل (جماعة الشباب المسلم) و(الحزب الجعفري) وغيرهما؛ إلا أنها جميعا لا يمكن الإعتداد بها، ربما لأنها عملت في جو تغلب عليه السرية في ذلك الوقت، ولأنها كذلك لم تقدم رؤية مكتملة لمنهجها وبرنامجها السياسي، ولم يعرف عنها خطاب سياسي على أي مستوى من المستويات؛ سوى بعض النشرات والبيانات التي سرعان ما اختفت من الساحة؛ بعد أن لم يكن لها كبير تأثير.
ويلف الغموض الكثير من تفاصيل نشأة حزب الدعوة، إلى درجة أنه لا يمكن التوفيق بين الروايات التاريخية التي تروى في الأوساط الشيعية ذاتها حول ولادة هذا الحزب، وتأسيسه، ومؤسسيه، ولا يمكن في هذا الصدد اعتماد الرواية الرسمية لحزب الدعوة نفسه حول تاريخه؛ إذ أن هذه الرواية مطعون بها في الوسط الشيعي نفسه، إلا أنه يمكن الوقوف على العديد من معالم ومحطات تاريخ هذا الحزب، عبر الجمع بين الروايات المتناقضة التي يرويها الكتاب الشيعة أنفسهم.
وقبل الشروع في الحديث عن هذا؛ لا بد من الإشارة إلى قضية غاية في الأهمية، وهي الحرب الضروس التي خاضها حزب الدعوة وشنت عليه في الأوساط الشيعية التقليدية في بداياته، وذلك لأن ما أقدم عليه مؤسسوه يعتبر وفق التراث الفقهي الشيعي السائد خروجا على تعاليم التشيع، إذ أنه كان من المحرم وإلى فترة قريبة ظهور أي تيار أو جماعة تتبنى قضية قيام دولة شيعية قبل خروج (المهدي المنتظر)، ويروي الشيعة في كتبهم بهذا الخصوص رواية منسوبة للإمام جعفر الصادق يقول فيها: (كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله)، وهكذا فقد حشر حزب الدعوة نفسه حين تأسيسه في خانة الضلالة وفق المفهوم الشيعي السائد، وظلت هذه القضية من أهم ما يؤرق قادة ومنظري هذا الحزب لحين قيام الثورة الإيرانية، ورغم أن بعضا من المراجع الشيعة قد بسطوا ظلالهم على حزب الدعوة وشملوه بنوع من الرعاية؛ إلا أن ذلك لم يخرجه من دائرة الشك والارتياب في الوسط الشيعي المتدين، وخاصة فيما يتعلق بخروجه على تعاليم التشيع، وتأثره بالفقه السني فيما يتعلق بالاجتهاد وطرق التغيير ومواجهة الأنظمة المستبدة، وتبرز في هذا المجال قضية تأثر قادة الحزب ومفكريه بالحركات الإسلامية السنية، وعلى رأسها (الإخوان المسلمين) و(حزب التحرير).
وقد كان هذا التأثر في وقت كان التحدي الذي يعاني منه العراق هو الهيمنة والتمدد الشيوعي، وخاصة في الجنوب والمدن الشيعية، حيث ظهرت بعض جوانب هذا التأثير فيما بعد عن طريق تبني الحزب بعض الرؤى الفقهية القريبة من منهج أهل السنة؛ لاسيما في قضية رفضه لما يسمى بالشعائر الحسينية واللطم والتطبير، وكذلك في تبنيه –النظري على الاقل- لحق الأمة في اختيار حاكمها ولدور الشورى المهم في الحكم الإسلامي، بخلاف الرؤية الشيعية التقليدية لهذه القضايا وغيرها.
التأسيس وأبرز الشخصيات:
كما أوردنا آنفا فإن مؤرخي الأحزاب الشيعية مختلفون حول بدايات هذا الحزب، والشخصيات الرئيسية التي ساهمت في بنائه وتكوينه، ولعل من أهم الشخصيات –المتفق عليها وعلى دورها في الحزب- هو محمد باقر الصدر، والذي تعرفه الأدبيات الشيعية بـ(الصدر الأول)، ويعتبر الكثير من الباحثين أن الصدر هو المؤسس الحقيقي لحزب الدعوة والأب الروحي له؛ رغم خروجه المبكر منه، بسبب ضغوط بعض المراجع الشيعة عليه، وقد ساهم الصدر عبر كتاباته الفكرية مثل (فلسفتنا) و(اقتصادنا) في تكوين جيل من الشباب الشيعة المؤمنين بأفكاره، والقادرين على جدال مخالفيهم من الشيوعيين والقوميين والشيعة التقليديين.
إلا أن روايات أخرى من الوسط الشيعي تعتبر أن فكرة إنشاء الحزب تعود لآخرين اختمرت واكتملت لديهم فكرة إنشاء الحزب، وعرضوها على الصدر فتبناها ونظّر لها وساهم في بنائها، ويدور في بعض الأدبيات الشيعية أن هذه الشخصيات هم: محمد مهدي الحكيم (نجل المرجع الشيعي محسن الحكيم والأخ الأكبر لمحمد باقر الحكيم)، ومرتضى العسكري، ومحمد حسن آل ياسين وهو شيعي معمم، وغيرهم.
وتذكر في هذا السياق أسماء أخرى، قيل أن لها تأثيرا في تأسيس الحزب؛ كمحمد هادي السبيتي، وطالب الرفاعي، ومحمد صادق القاموسي، وعبد الصاحب دخيل، ومحمد صالح الأديب، وغيرهم.
وكما أسلفنا؛ فإن محمد باقر الصدر قد انسحب مبكرا من الحزب؛ بسبب ضغوط المرجعية الشيعية عليه، حيث قيل آنذاك أن محسن الحكيم قد طلب من الصدر بعد سنوات قلائل من تأسيس الحزب الانسحاب منه، بذريعة أن (المرجع الديني) يجب أن يكون لكل المسلمين وليس لحزب واحد، وتبعه في خروجه من الحزب محمد مهدي الحكيم وأخيه محمد باقر الحكيم.
حزب الدعوة والانشقاقات:
واجه الحزب بعد انسحاب محمد باقر الصدر ومجموعة من المعممين منه مشاكل تنظيمية وأزمة داخلية؛ كادت تنتهي بحل الحزب وسط خلافات كبيرة بين كوادره، إلا أن الجسم الرئيسي للحزب بقي متماسكا نوعا ما، وخرجت منه مجموعات صغيرة، كان أولها مجموعة سمت نفسها بـ(جند الإمام)، برئاسة سامي البدري، وتبنت هذه المجموعة طريقة الصدام العسكري مع الدولة العراقية للوصول للحكم، وأخذت على الحزب سلميته في مواجهة النظام، وعدم اهتمامه بتطبيق الشعائر الشيعية.
ثم ومع قيام الثورة الإيرانية؛ وشيوع نظرية (ولاية الفقيه) التي نادى بها ونظّر لها الخميني حصلت عدة انشقاقات في الحزب؛ كان أولها خروج عز الدين سليم (أحد الذين تعاقبوا على مجلس الحكم) مؤسسا حركة الدعوة الإسلامية وذلك عام 1980م ومتبنيا نظرية الخميني في الحكم.
تلاه انشقاق مجموعة أخرى بقيادة علي الكوراني ومهدي الآصفي وكاظم الحائري، وجميع هؤلاء تبنوا نظرية (ولاية الفقيه) واعلنوا ولاءهم للخميني بعد خروجهم من الحزب، ثم حصلت خلافات تنظيمية أدت لانشقاق جديد في الحزب؛ حمل إسم (حزب الدعوة/ تنظيم العراق)، وتوالت الإنشقاقات والإنشطارات التي عصفت بالحزب، إلى أن أفرزت تلك المرحاة عن تشكيل خمس مجموعات تعمل جميعها تحت إسم (الدعوة).
وبعد احتلال العراق ورجوع الحزب للداخل، ووصوله للحكم بالتفاهم والتعاون مع الأمريكان؛ حصل انشقاق جديد تمثل بخروج إبراهيم الجعفري؛ إثر رفض تجديد رئاسته للوزراء من قبل النواب العرب السنة والأكراد، وقابل ذلك ما يشبه البرود في ردة الفعل من قبل حزب الدعوة؛ حيث سارع الحزب بترشيح المالكي بديلا، فأعلن الجعفري انسحابه من الحزب وتأسيسه لما أسماه (تيار الإصلاح الوطني).
ولعل آخر انشطارات حزب الدعوة هو تفكك (حزب الدعوة/ تنظيم العراق) إلى مجموعتين؛ وانضمام أحداهما إلى الإئتلاف الشيعي، والثانية إلى ائتلاف المالكي.
ويمكن القول أن الأحزاب والتنظيمات التي تحمل إسم الدعوة اليوم في الساحة العراقية هي:
1-حزب الدعوة - المقر العام، برئاسة المالكي.
2- حزب الدعوة – تنظيم العراق، برئاسة هاشم الموسوي.
3- حزب الدعوة - تنظيم العراق، برئاسة عبد الكريم العنزي.
4- تيار الإصلاح الوطني، برئاسة الجعفري.
5- حركة الدعوة الإسلامية، ويرأسها محمد الغلاوي.
6- منظمة أنصار الدعوة، برئاسة مازن مكية.
هذا عدا عن المجموعات التي ذابت في أحزاب أخرى؛ كالمجلس الأعلى، والتيار الصدري، وغير ذلك.
وعلاوة على الإنشقاقات التنظيمية؛ فقد شهد الحزب خروج الكثير من المعممين وسواهم من صفوفه؛ من العراقيين وغيرهم، كمحمد حسين فضل الله (الذي يصنف الآن كمرجع للحزب)، ومحمد مهدي شمس الدين، وصبحي الطفيلي، ومحمد علي التسخيري، ونعيم قاسم، وموفق الربيعي وغيرهم.
وقد تعددت أسباب الإنشقاقات؛ بين خلافات فكرية وفقهية، وخلافات على الزعامة والمرجعية، كما كان قيام ثورة الخميني دافعا للكثيرين للخروج من حزب الدعوة؛ بسبب انبهارهم بالنموذج الخميني، وتعاملت الثورة الإيرانية مع حزب الدعوة بالكثير من الشدة والتجاهل، وسعت إلى محاولة فرض نموذج (ولاية الفقيه) على الحزب، ودمجه في (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) الذي أنشأه الخميني، وكان أن تشتت أعضاء حزب الدعوة بين سوريا ولبنان والكويت والمنافي الأوربية.
حزب الدعوة فكريا:
نشأ حزب الدعوة في مناخ سياسي متوتر؛ يعيش أجواء الصراع بين الحزب الشيوعي وحزب البعث وحركة الإخوان المسلمين، وكانت البيئة التي احتضنت الحزب –الجنوب العراقي- قد احتضنت قبله الحزب الشيوعي، ووفرت له الدعم والتأييد والأنصار، مما جعل الحزب يحمل منذ ولادته طابع العداء للماركسية والفكر الشيوعي، سيما وأن الحزب يستمد أفكاره وقوته من المرجعية الشيعية؛ التي يعتبرها الشيوعيون من ألد أعدائهم، ورمزا (للتخلف والرجعية)، على اعتبار التحالف الوطيد في جنوب العراق بين رجال الدين الشيعة وكبار الإقطاعيين وملاك الأراضي، لذا فإن كتابات الصدر كانت في المجمل موجهة ضد الشيوعيين، كـ(إقتصادنا)، و(فلسفتنا)، وغيرهما.
كما أن الحزب قد تأثر كثيرا بفكر الإخوان المسلمين، وخاصة فيما يتعلق بالدعوة إلى شمول الإسلام، وتحديدا بفكر سيد قطب، وتقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير، وتبدو بعض آثار هذا التأثر في رفض الحزب للطم والتطبير، وإعلانه أنه يتبنى فكرة حق الأمة في اختيار حاكمها.
وفي هذه النقطة تحديدا لا بد من الحديث عن أن الصدر في بداية نشأة حزب الدعوة؛ كان يؤمن بالشورى، وما يترتب عليها من حرية اختيار الحاكم وحق الشعب في اختياره ومحاسبته وعزله، إلا أن رياح الثورة الخمينية، والضغط الفكري والسياسي الذي مورس على حزب الدعوة والمرجعيات الشيعية عموما؛ قد دفعت الصدر إلى اعتماد نظرية تمزج بين الشورى و(ولاية الفقيه) الخمينية، سماها (نظرية الخلافة والشهادة).
لذا فإن قيام الثورة الإيرانية كان حدثا مفصليا مهما في تاريخ الحزب، وفاتحة لكثير من التغيرات، سواء على مستوى الأفكار والنظريات أو على مستوى قواعد التنظيم التي عصفت بها الإنشقاقات المتتالية.
إلا أنه وبعد مجيء الإحتلال الأمريكي للعراق، ودخول الحزب على الدبابة الأمريكية فإنه –أي الحزب- قد تخلى عن كثير من الأطروحات التي كان ينادي بها والتي عرفت عنه تاريخيا وجعلت البعض يصنفونه ضمن تيار (الاعتدال الشيعي)؛ مثل رفضه للتقليد الأعمى للمراجع الشيعية، ورفضه لبعض بدع التشيع، وخطابه المعتدل نوعا ما تجاه أهل السنة، فقد أصبح الحزب في السنوات التي تلت الاحتلال عضوا فاعلا في الإئتلاف الشيعي الطائفي الذي مثّل حصان طروادة للتدخلات الإيرانية في العراق، وقام بأبشع الجرائم بحق أهل السنة، والكثير حتى من الأبرياء الشيعة، وسعى إبراهيم الجعفري إلى إدماج مليشيا (جيش المهدي) في الجيش والشرطة، والتي قامت خلال فترة حكمه بأبشع الجرائم من قتل وتهجير واختطاف ومحاولة تغيير لخارطة العراق الديمغرافية؛ وخاصة بغداد التي عاثت فيها المليشيات الخراب في عهد الجعفري وخلفه المالكي، مما يطرح الكثير من التساؤلات حول صدق دعاوى حزب الدعوة فيما يتعلق بالوحدة الإسلامية، والدعوة للنأي بالمسلمين عن الإختلافات المذهبية، وهل كانت مجرد شعارات فارغة المضمون لتطمين أهل السنة ومخالفيهم؟ أم أن حجم التدخل الإيراني قد فعل فعله وأعاد حزب الدعوة إلى التراث الفقهي الصفوي الذي تغافل أو حاول أن يتغافل عنه الحزب في سنيّ نشأته الأولى؛ ربما لأن العراق وقتها لم يكن يتحمل مثل تلك الأطروحات الطائفية الدموية، والتي طبقت في العراق بحذافيرها بعد الإحتلال؟!.
حزب الدعوة والقيادات غير العراقية:
يصنف حزب الدعوة بصورة عامة؛ وخاصة وسط شيعة العراق بأنه من الأحزاب الشيعية العربية، وذلك في مقابل أحزاب التشيع الإيراني؛ كالمجلس الأعلى ومن لف لفه، إلا أن هذا لا يمنع من الحديث عن دور الكثير من القيادات غير العراقية، وخاصة الإيرانية في تأسيسه وعمله التنظيمي، من مثل:
1-محمد مهدي الآصفي: إيراني الجنسية، وكان عضوا للجنة المركزية للحزب وناطقا باسمه.
2- محمد مهدي العطار: إيراني الجنسية، عضو اللجنة المركزية، وله علاقة باللجنة المالية للحزب .
3- علي الكوراني، لبناني من أصول إيرانية.
4- محمود شهروردي: إيراني الجنسية، وأحد رؤساء القضاء الإيراني حاليا.
5- محمد علي تسخيري: إيراني الجنسية، وأحد كبار مستشاري خامنئي حالياً؛ وخصوصاً في قضايا العلاقة مع أهل السنة.
6- علي زندي؛ المشهور بعلي الأديب: إيراني الجنسية، وعضو البرلمان العراقي الحالي، وأحد قيادات الصف الأول لحزب الدعوة.
7- كاظم عبد الحسين محمد: كويتي الجنسية، وهو أحد قيادات الحزب.
وهذه الأسماء المذكورة آنفا هي غيض من فيض القيادات الإيرانية أو غير العراقية، والتي كان لها تأثير مباشر فيما يتعلق برسم سياسات حزب الدعوة، ولا سيما فيما يتعلق بعلاقاته بالعراق كدولة.
وقد كان للحزب وجود كبير في السبعينيات في العديد من الدول؛ كإيران، ولبنان، والكويت، والبحرين وغيرها، إلا أن قيام ثورة الخميني قد سحب البساط من تحت قدميه، لا سيما في إيران ولبنان، حيث انخرط الكثير من قيادات الحزب في الثورة الإيرانية، واصبح بعضهم من مؤسسي وقياديي (حزب الله) في لبنان؛ كعباس الموسوي، ونعيم قاسم، وغيرهما.
وقد ظهر أثر هذه القيادات في الأزمات التي خاضتها حكومة الحزب ضد الدول العربية، وخاصة سوريا التي احتضنت المالكي وحزبه لسنوات طويلة، حيث نحا الحزب منحى شديد العداء تجاه الدول العربية، على عكس سياسته شديدة الليونة إن لم تكن الخاضعة لإيران.
حزب الدعوة في السلطة:
لعقود؛ اعتبرت حكومة البعث في العراق حزب الدعوة عدوها الرئيسي، بعد أن فرغت من خصومها الشيوعيين والقوميين والإخوان، وكان التعاون القائم بين حزب الدعوة وإيران مدعاة لأن تشتد ضربات الدولة العراقية على حزب الدعوة، لا سيما في سنوات الحرب العراقية - الإيرانية، وبالمقابل فإن حزب الدعوة تبدلت خصومته القديمة القائمة مع الشيوعيين باتجاه حزب البعث، وخاصة بعد إعدام محمد باقر الصدر عام 1980م.
وعندما أعلنت أمريكا عن نيتها غزو العراق؛ كان حزب الدعوة من المعارضين –رسميا- للاحتلال الأمريكي، إلا أن مشاركته في مؤتمر لندن لأحزاب المعارضة، ودخوله القوي مع الأمريكيين، وانخراطه الكبير في مشروع الإحتلال؛ يجعل الكثير من الشكوك تحوم حول موقفه المعلن السابق.
لقد تبارى قادة الأحزاب الشيعية؛ وخاصة الكبيرة منها بعد الإحتلال في تقديم فروض الطاعة والولاء للأمريكيين، وما زالت صورة إبراهيم الجعفري وهو يقدم ما يسميه الشيعة بـ(سيف الإمام علي) لبول بريمر الحاكم المدني الامريكي السابق؛ ما تزال حاضرة في الأذهان.
وكما ذكرنا آنفا؛ فقد ساهم الحزب في قيادة الائتلاف الشيعي، وكانت له إسهامات متميزة في دمج المليشيات الشيعية في قوى الجيش –الذي انشأه بريمر- والشرطة.
إلا أن التحسن الطفيف في الوضع الأمني؛ والذي عرفه العراق في النصف الثاني من ولاية المالكي الانتخابية؛ قد دفع ببعض أبواق الحزب في السلطة؛ وعلى رأسهم المالكي للادعاء بأن الحزب ذو منهج (وطني صرف)، يتسامى فوق الخلافات الطائفية، وأنه يصلح كممثل لجميع أطياف الشعب العراقي، لكن الأحداث التي تبعت ذلك دفعت بالحزب إلى مربعه الأول الذي عرفه الناس به بعد الإحتلال، حيث أعاد المالكي الكثير من الإجراءات التعسفية والظالمة التي مورست بحق أهل السنة في العراق، مثل إعادة اعتقال المفرج عنهم من المعتقلين، وحملات الدهم شبه اليومية لمناطق أهل السنة، والقيام بحملات (تطهير) واسعة للجيش والشرطة والمخابرات من الضباط السنة، كان آخرها الضغط المتواصل من أجل تقديم محمد الشهواني رئيس جهاز المخابرات لاستقالته.
ويقول الكثيرين ممن يعرفون المالكي أنه مهووس ومسكون بالكثير من الهواجس تجاه عودة أهل السنة للحكم، ولو كان ذلك عن طريق الإنتخابات، أو الدخول لمؤسسات الدولة بنوع من التوازن؛ حتى لو كان هذا الدخول مجحفا بحقهم.
أذرعة حزب الدعوة العسكرية في السلطة
كان للحزب في سنوات الإحتلال الأولى مليشيات عرفت باسم (قوات الشهيد الصدر) قدر عددها بـ(2500) مقاتل، إلا أنها دمجت فيما بعد في الأجهزة الأمنية، وأصبح بعضها حراسا لمقرات ومؤسسات الحزب.
وقد استطاع الحزب في سنوات حكم المالكي وسلفه الجعفري من التغلغل في الجيش والأجهزة الأمنية العراقية، بطريقة تضايق منها حتى حلفاؤه من الأحزاب الشيعية، كالمجلس الأعلى ومنظمة بدر التابعة له، وهذا التغلغل شمل علاوة على الجيش والأمن والشرطة؛ مؤسسات وأجهزة عسكرية أنشأها المالكي في فترة حكمه لتوطيد هيمنته وهيمنة حزب الدعوة، وخوفا من انقلاب قد يقوم به غريمه وحليفه السابق المجلس الأعلى، أو بعض الضباط السنة، وهذه الأجهزة هي:
1- جهاز عمليات بغداد.
2- جهاز مكافحة الإرهاب.
3- لواء بغداد.
4- اللجنة الأمنية في مجلس الوزراء.
وهذه الأجهزة جميعا أثبتت فشلها لاحقا في إيقاف أو الحد من التفجيرات التي شهدتها بغداد، ولا سيما ما بات يعرف بيومي (الأربعاء والأحد الداميين).
ويبدو أن المالكي يسعى لتقليد الرئيس السابق صدام حسين في قضية تعدد الأجهزة الأمنية، وتوزيعها، وخاصة في بغداد، ومن الملاحظ أن الكثير من قيادات هذه الأجهزة هم من أقارب المالكي وأبناء عشيرته.
وساهمت وزارة الدولة لـ(شؤون الأمن الوطني) والتي أصبحت من حصة حزب الدعوة/ تنظيم العراق، وتوالى عليها عبد الكريم العنزي وشروان الوائلي؛ في تعزيز نفوذ الحزب من الناحية الأمنية.
الأجهزة الإعلامية للحزب
سعى الحزب إلى إنشاء العديد من المؤسسات الإعلامية، كأبواق دعاية له، وتنوعت هذه المؤسسات بين الفضائيات والصحف والمجلات ومواقع الإنترنت.
ومن أبرز المؤسسات الإعلامية التابعة للحزب:
1-قناة آفاق الفضائية، وهي الناطقة بلسان حزب الدعوة الرئيسي.
2- قناة المسار الفضائية، وتتبع لحزب الدعوة/ تنظيم العراق، وحصل تنازع في شأنها بعد الإنشقاق الأخير الذي عصف بالحزب، إلا أنها أصبحت أخيرا من حصة عبد الكريم العنزي.
3- قناة بلادي، وهي تابعة لحزب إبراهيم الجعفري.
3- جريدة البيان.
4- صحيفة الدعوة.
هذا علاوة على شبكة الإعلام العراقي، وقناتها (العراقية) والتي أصبحت ناطقة باسم المالكي وأكبر المدافعين عن سياسته، إضافة للعديد من الإذاعات والصحف والمواقع الإلكترونية.
خاتمة:
وفي ختام الحديث عن حزب الدعوة؛ كتاريخ، ومنهج، وبرنامج سياسي، وتجربة في الحكم؛ يمكن القول أن الحزب عبر تاريخه تعرض للكثير من الضربات والانشقاقات التي أدت لتذبذب خطابه وسياساته، وأدت لتراجعه في العديد من الساحات داخل وخارج العراق، كما أنه سلك في سنوات حكمه مسلكا طائفيا بحتا لا يختلف عن أشد الأحزاب الشيعية طائفية، كما أنه مد أذرعه في أجهزة الدولة مكونا ما يشبه الأخطبوط الأمني والعسكري والاقتصادي، مما أدى لانزعاج حتى حلفائه السابقين، وظهور الكثير من المناهضين له في الساحة الشيعية والسنية على حد سواء، بعد أن اتضح أن الحزب يتجه لابتلاع الدولة العراقية مستغلا التحسن الأمني الأخير، ونوعا من الحضور والشعبية لشخص المالكي في الأوساط الشيعية؛ دفعت لاكتساحه مجالس المحافظات الشيعية، ورمت بحلفائه السابقين خارج اللعبة السياسية، ويبدو أن ثمرات هذا الإحتقان والتوتر الشيعي الداخلي ستظهر ثمارها في نتائج الإنتخابات المقبلة، حيث دخل الحزب بائتلاف جديد سبق أن نجح في تحقيق أهدافه السياسية في انتخابات مجالس المحافظات، وضم بعد ذلك عدة أحزاب ومنظمات شيعية، فهل سيفلح المالكي وحزبه وحلفائه في تكرار التجربة؟ أم أن نتائج الإنتخابات البرلمانية ستأتي بعكس ما يشتهيه؟.
ثانيا: المجلس الأعلى الإسلامي
يرتبط الحديث عن (المجلس الإسلامي الأعلى) أو ما كان يعرف سابقا بـ(بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية) بالأطماع الإيرانية في العراق، والتدخلات التي شهدها العراق وطالت هويته وبنيته الثقافية والحضارية.
فبعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979م، كان إحدى الشعارات التي رفعتها هي تصدير الثورة إلى البلدان الإسلامية، ولا سيما تلك القريبة من إيران ويعتنق جزء من سكانها المذهب الشيعي، وبالطبع كان العراق أول المعنيين بهذا التصعيد، ولم يفلح كرم الضيافة العراقي الذي استقبل الخميني واحتضنه بعد أن طردته حكومة الشاه في تخفيف حدة الأطماع الإيرانية تجاه العراق، وكان أن اصبح هدف الثورة الأول هو الاستيلاء على مقاليد الحكم في العراق.
وبالنظر إلى خارطة القوى الشيعية الفاعلة في العراق حينها، فقد كان حزب الدعوة في مقدمتها، وهو –رغم تأييده لاندلاع الثورة واستبشاره بها- إلا أنه يختلف فكريا وتنظيميا عن التيار الذي كان وراء اندلاع الثورة، وكذا الحال مع بقية الأحزاب والمجموعات الشيعية في العراق؛ كمنظمة العمل الإسلامي، والمجموعات الصغيرة التي انشقت عن حزب الدعوة، فكان أن أصبح حزب الدعوة هدفا لتاليا للخميني باعتباره قد يؤخر عملية تصدير الثورة للعراق، بأفكاره وطروحاته القريبة من الواقع الشيعي العراقي، فبدأ استهداف حزب الدعوة بتأسيس ما عرف بـ(المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق)، ورأسه أحد أعضاء حزب الدعوة السابقين وهو محمد مهدي الحكيم، وذلك في 17 تشرين الثاني عام 1982م.
وقد بدأ التنظيم الوليد بالتركيز على استقطاب أعضاء حزب الدعوة المنبهرين بالنموذج الإيراني الخميني، وبدأ العشرات بل المئات من أعضاء حزب الدعوة وغيره من الأحزاب الشيعية العراقية بالانخراط في صفوف المجلس الأعلى، ولا سيما أولئك الذين لجئوا إلى إيران بعد أن تصاعدت وتيرة الصدام مع الحكومة العراقية، فكان مصيرهم الإهمال والتضييق لدفعهم للانضمام للمجلس الأعلى وتأييد نظرية (ولاية الفقيه).
ويروي الكثير من أعضاء حزب الدعوة عن تلك المرحلة التي قضوها في إيران وما واجهوه من السلطات الإيرانية آنذاك، ومن أولئك رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي، الذي رفض الإيرانيون منحه إقامة في إيران إلا بعد كفله مواطن إيراني هو علي زندي أو علي الأديب مسؤول حزب الدعوة في إيران، ورغم تأييد حزب الدعوة لإيران في حربها على العراق فقد أغلقت السلطات الإيرانية معسكر حزب الدعوة في منطقة الأحواز والذي كان يخرج مقاتلين في الجبهات الإيرانية وسلمته للمجلس الأعلى، ودفعت أعضاءه للانخراط في صفوف المجلس أو مغادرة إيران، وهو ما كان، حيث غادر المالكي ومجموعة كبيرة من أعضاء حزب الدعوة باتجاه سوريا ولبنان وبريطانيا وغيرها.
في ظل هذه الرعاية الإيرانية نشأ المجلس الأعلى، وبدأ نشاطه باستقطاب عناصر مؤيدة له، مؤمنة بـ(ولاية الفقيه)، تابعة لنظام طهران بكل التفاصيل، كما وصفه عضو حزب الدعوة السابق عزت الشابندر بأنه-أي المجلس الأعلى- (الطفل المدلل لإيران)، لدرجة أن زعيمه السابق عبد العزيز الحكيم طالب بتعويض إيران عن الخسائر التي ألحقت بها في الحرب العراقية - الإيرانية من الخزينة العراقية، وقدرها حينها بمائة مليار دولار!!.
التأسيس وأبرز الشخصيات:
وقع اختيار إيران على محمد مهدي الحكيم ليكون زعيما للمجلس الذي أسسته، فهو علاوة على كونه نجل المرجع الشيعي محسن الحكيم؛ يعد أحد مؤسسي حزب الدعوة، حيث استخدم هذا الأمر في سحب (الشرعية) من حزب الدعوة.
وبعد اغتيال محمد مهدي الحكيم عام 1986م؛ آلت الزعامة لأخيه محمد باقر الذي استمر في رئاسة الحزب حتى اغتياله عام 2003م في النجف، فرأس المجلس بعده عبد العزيز الحكيم.
وشكل اختيار عبد العزيز الحكيم خلفا لأخيه اختبارا لقوة المجلس؛ حيث لم يكن عبد العزيز الحكيم ذو علمية تؤهله لقيادة المجلس بوصفه تنظيميا دينيا شيعيا، وكذلك لم يمتلك كاريزما كالتي أحاطت بأخيه محمد باقر، إضافة إلى محدودية ثقافته العامة وعدم لباقته، وتم التعويض عن ذلك بإنشاء (منظمة شهيد المحراب) التي ترأسها نجله عمار الحكيم، والذي خلف والده في رئاسة المجلس، وعرف بلباقته في التعامل مع الواقع الشيعي و(إمكانيته) العلمية المذهبية، وسعيه لتقوية العلاقات مع زعماء العشائر الشيعية في الجنوب، وتسعى قيادة المجلس لتأهيله ليكون مرجعا دينيا.
وقد حسمت زعامة المجلس لآل الحكيم، وأحاط بهم مجموعة من المعممين كجلال الدين الصغير، وهمام حمودي، وصدر الدين القبنجي، وصالح الحيدري، ومحمد تقي المولى، إضافة لبعض من تم اختيارهم من خارج المؤسسة الدينية ليكونوا وجوها للمجلس كهادي العامري زعيم (فيلق بدر)، ورضا جواد تقي، وعلي جواد قنديل، وغيرهم.
ويلاحظ أن العديد من قادة المجلس ومعمميه هم من أصول أعجمية غير عراقية، حيث يتمتع أكثرهم بالجنسية الإيرانية، وبل ويشارك بعضهم بالتصويت في الانتخابات الإيرانية.
القوى الرئيسية المكونة للمجلس:
كما قدمنا؛ فإن المجلس الأعلى نشأ أثناء الحرب العراقية – الإيرانية، واستلهم النموذج الإيراني استلهاما كاملا إن في الشعارات أو الوسائل التي استخدمها لتحقيق أهدافه.
وقد أعلن عن تشكيل المجلس ليكون واجهة لعمل الأحزاب الشيعية في العراق، إلا أنه قد مارس الإقصاء والاجتثاث بكل معانيه لكل الأحزاب الأخرى المشاركة له في هذا التكوين الجديد، فأعلنت معظم الأحزاب والشخصيات المؤثرة الانسحاب منه مبكرا، كحزب الدعوة وجماعة الخالصي، وبقيت فيه بعض الأحزاب الصغيرة وغير الفاعلة، والتي يتكون معظمها من مليشيات مسلحة تقوم نشاطاتها على القتل والاختطاف والابتزاز الطائفي؛ كحركة حزب الله، ومنظمة (ثأر الله)، ومنظمة (ثأر الحسين)، ومنظمة (بقية الله)، وحركة 15 شعبان، ومنظمة الطليعة الإسلامية، وغيرها.
وقد تكون المجلس من عدة فئات، ساهمت فيما بعد في رسم سياساته الخارجية والداخلية، ويمكن إجمال هذه الفئات بالتالي:
1-الأعضاء السابقون في حزب الدعوة وأحزاب شيعية أخرى، وهؤلاء سبق الحديث عنهم.
2- المبعدون الإيرانيون من العراق أو من يعرفون بـ(التبعية الإيرانية)، وهؤلاء كانوا إلى فترة قريبة العصب الرئيسي في المجلس وجناحه العسكري (فيلق بدر).
3- الأسرى العراقيون الشيعة، حيث كانوا يعفون من التعذيب مقابل انخراطهم في صفوف المجلس الأعلى، وقد أطلق عليهم المجلس إسم (التوابين).
4- مجموعة من التجار والملاك، وخاصة من ذوي الأصول الإيرانية، وهؤلاء ساهموا في ديمومة العمل واستمراره إضافة إلى الدعم الإيراني اللامحدود.
هذه باختصار أهم وأبرز الفئات التي اعتمد عليها المجلس في تأسيسه وعمله لسنوات طويلة، وشكلت القوة الرئيسية لـ(فيلق بدر) الجناح العسكري للمجلس والذي تأسس بعد انطلاق المجلس بفترة وجيزة.
وبعد الإحتلال اتجه المجلس إلى بعض أبناء العشائر الجنوبية وخاصة في منطقة الأهوار، حيث شجع انضمامهم إليه، ومنحهم الرتب في (فيلق بدر).
المجلس الأعلى فكريا:
تبنى المجلس منذ إعلانه نظرية (ولاية الفقيه)، وسعى إلى تطبيق خطة إيران في تصدير الثورة بحذافيرها، وثقف أعضاءه بهذا الإتجاه، وجريا على عادة الأحزاب الشيعية رفع المجلس شعار (الوحدة الإسلامية) وشارك في العديد من (مؤتمرات التقريب بين المذاهب الإسلامية) كممثل للطرف الشيعي، وكان إلى ما قبل احتلال العراق ينظر إليه في بعض الدول العربية والإسلامية على أنه أحد القوى الشيعية المعتدلة، وذلك قبل أن يجربه الناس على أرض الواقع.
ومؤخرا أعلن المجلس الأعلى أنه يتبع لمرجعية علي السيستاني، وتبع ذلك تغيير إسمه إلى (المجلس الإسلامي الأعلى) وذلك في خطوة يمكن تفسيرها على أنها محاولة لتغيير النظرة السائدة عنه باعتبار تبعيته لإيران، ولكسب مزيد من المؤيدين داخل العراق.
ويتبنى المجلس جميع التفاصيل العقائدية والفقهية الشيعية بدون أي استثناء أو مراجعة، وخاصة تلك التي تتعلق بالعلاقة مع أهل السنة؛ والذين يعتبرهم التراث الشيعي (نواصب) جميعهم بدون استثناء، حتى الذين يدعون للحوار والتقارب مع الشيعة، ولعل أول من استخدم هذا التوصيف بعد الإحتلال وأدخله للقاموس السياسي العراقي هو محمد باقر الحكيم في أول كلمة ألقاها بعد دخوله للعراق من إيران، وكان أن شاع هذا الوصف وأصبح مصطلحا (سياسيا) كغيره من المصطلحات التي يدندن حولها السياسيون الشيعة، مما كان له أسوأ النتائج على أرض الواقع.
وكذلك يشجع المجلس الأعلى على اللطم والتطبير في عاشوراء، فيما يعرف بين الشيعة بـ(الشعائر الحسينية)، وقد شنع المجلس على كل منتقد لها في الوسط الشيعي، كمثل الحملة الإعلامية التي شنت على حسين بركة الشامي أحد قيادات حزب الدعوة المعممين الذي انتقد تلك الممارسات، وتم تسييس هذه القضية واستغلت للتصعيد مع الغريم التقليدي حزب الدعوة.
المجلس الأعلى و(فيلق بدر):
يعود تاريخ تأسيس (فيلق بدر) إلى الثمانينات بعد فترة وجيزة من تأسيس المجلس الأعلى، حيث تم تشكيله ليكون (قوة ضاربة) للمجلس في حربه مع العراق، وقد سبق الحديث عن الفئات التي استقطبها الفيلق.
وقد عرف عن أعضاء المجلس و(بدر) في تلك الفترة وما تلاها عداؤهم الشديد لكل ما هو سني أو عربي حتى إذا لم يكن يمت للتدين بصلة، تأثرا منهم بالأجواء الشعوبية المعادية للعرب في إيران، وكذلك انتماء الكثيرين من أعضائه لمن يعرفون بـ(التبعية الإيرانية).
وساهم (فيلق بدر) الذي تم تدريبه على يد الحرس الثوري الإيراني مساهمة فعالة في الحرب العراقية – الإيرانية لصالح إيران، فإضافة للذين قاتلوا مع الجيش الإيراني في الجبهات، فقد عمل أعضاؤه وخاصة في منطقة الأهوار كأدلاء للجيش الإيراني؛ الذي حاول التسلسل إلى العمق العراقي مرارا وتكرارا عن طريق هذه المنطقة الرخوة في حدوده مع العراق.
ويحتفظ الأسرى العراقيون في إيران بذكريات مريعة ومريرة عن التعذيب الجسدي والنفسي الذي تعرضوا له على يد المجلس الأعلى وذراعه (بدر)، حيث فقد الكثيرين منهم حياته أو عقله نتيجة للتعذيب الشديد والممنهج لهم.
وبعد الإحتلال تحولت الغاية المعلنة من تأسيس الفيلق؛ وهي محاربة (النظام العراقي) باتجاه أهل السنة، حيث بدأ الفيلق وبطريقة منهجية مدروسة بتصفية رؤوس أهل السنة في العراق، من أئمة مساجد وضباط وطيارين وكفاءات علمية؛ وذلك تحت شعار (تصفية البعثيين الصداميين)، لكن الحقيقة أن معظم ضحايا الفيلق لم تكن لهم أي صلة بحزب البعث وبنظام صدام حسين، وخاصة شباب الشيعة الذين اعتنقوا مذهب أهل السنة، والذين تعرضوا لحملة تصفية شرسة على يد الفيلق، فتم قتل الكثيرين منهم، وخرج القسم الأكبر من مناطقه إلى مناطق أخرى داخل وخارج العراق.
وقد تم تغيير إسم الفيلق مؤخر إلى (منظمة بدر)، وأعلن زعيمها هادي العامري أن المنظمة ستتجه (للبناء والإعمار وتقديم الخدمات للعراقيين).
وقد شاركت المنظمة في الائتلاف الشيعي في انتخابات 2006م بصفة مستقلة؛ رغم تبعيتها المعلنة للمجلس الأعلى، وتم منحها 16 مقعدا في البرلمان العراق.
وقد ساهمت علاقة المجلس المتميزة بالاحتلال الأمريكي وخاصة الحاكم المدني السابق بول بريمر في إدماج أعضاء المنظمة في أجهزة الجيش والأمن والشرطة، حيث يمكن القول أنهم أصبحوا القوة الاولى التي تتألف منها تلك الأجهزة، رغم دخول حزب الدعوة مؤخرا في منافسة مع المجلس لزرع أكبر عدد من عناصره داخل هذه المؤسسات.
الأجهزة الإعلامية للمجلس
يمتلك المجلس الأعلى العديد من الأجهزة الإعلامية التي يستخدمها في بث دعايته داخل وخارج العراق، ومن أهم هذه المؤسسات:
1-قناة الفرات الفضائية.
2- قناة الغدير.
3- قناة الإتجاه، والتي تطرح نفسها كقناة مستقلة، إلا أن لها علاقات قوية بحركة حزب الله التابعة للمجلس.
4- موقع براثا نيوز على الإنترنت، وهو من أشد المواقع طائفية وأكثرها عداءا لأهل السنة على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والسياسية.
ويمتلك المجلس العديد من الصحف والمجلات والمواقع الأخرى، ويسعى إلى تمرير سياساته عن طريق مؤسسات إعلامية أخرى؛ كقناة العراقية وغيرها.
خاتمة:
استطاع المجلس بعد احتلال العراق أن يجد موطىء قدم له في العديد من مؤسسات وأجهزة الدولة، وخاصة العسكرية والأمنية، وقد ساهمت حملاته المتواصلة في اغتيال كفاءات أهل السنة وحتى الشيعة الذين يرفضون الهيمنة الإيرانية؛ في تغيير الخارطة الديمغرافية في العراق، وخاصة في بغداد.
لكن الكثيرين يتوقعون أنه لا مستقبل للمجلس الأعلى في الوسط الشيعي، لعدة أسباب على رأسها ارتماؤه في الحضن الإيراني بطريقة تتجاوز اللباقة والدبلوماسية التي تنتهجها غيره من الأحزاب الشيعية في علاقتها بإيران، حيث أصبح المجلس يوصف حتى داخل الوسط الشيعي بأنه ذراع إيران داخل العراق ومخلب قط للحرس الثوري في داخل أجهزة الحكم العراقية، كما أن القائمين عليه ما زالوا ينظرون بالكثير من السخرية والازدراء لأبناء الجنوب العراقي أو من يعرفون بـ(المعدان)، على اعتبار خلفية هذه القيادات الإيرانية، وهو ما سبب انفضاضا عن المجلس في الكثير من الأوساط الشيعية، رغم سعي المجلس لكسب الموالين ترغيبا وترهيبا.
وقد سعى المجلس في سنوات ما بعد الإحتلال للتحالف مع الحزبين الكرديين الرئيسيين، عن طريق دعمه لقيام النظام الفيدرالي في العراق، وهو ما يعني ضمنا تأييده لمنح مدينة كركوك للأكراد، وتعود جذور العلاقة بين الطرفين إلى الفتوى التي أصدرها محسن الحكيم في تحريم قتال المتمردين الأكراد في شمال العراق، وذلك كيدا في الحكومة العراقية التي ضيقت عليه، وحجمت علاقاته بإيران.
وقد ساهم المجلس في الانتخابات الماضية في تشكيل الائتلاف العراقي الموحد، وكان القوة الرئيسية في تأسيس الائتلاف الشيعي بنسخته الجديدة، ويتوقع أن يواجه الائتلاف الجديد في حال عدم تحالفه مع المالكي خسارة كبيرة في الانتخابات المقبلة، كما حصل في انتخابات مجالس المحافظات.
ثالثا: التيار الصدري
شهدت السنوات التي أعقبت تصفية حزب الدعوة والأحزاب الشيعية عموما؛ خلو الساحة الشيعية من أي عمل منظم، باستثناء تأثير الحوزة الذي كان يتجه للخفوت بسبب قوة نظام صدام حسين آنذاك، إلا أن خروج العراق من حرب الخليج مثقلا بالخسائر والعداوات الداخلية والإقليمية قد حرك ساكن الوضع الشيعي، حيث بدأ تيار يقوده رجل معمم من آل الصدر في التبلور بمعزل عن تأثير الحوزة التقليدية، والتي كانت ممالئة للنظام العراقي.
كان هذا الرجل هو محمد محمد صادق الصدر، وهو معمم درس وتخرج من حوزة النجف، وأخذ يعمل على كسب ود الطبقات الفقيرة من الشيعة، والتي يتعالى عليها معممو الحوزة الرسمية باعتبار هؤلاء الفقراء (معدان)، و(همج) وفق التوصيف الحوزوي ذي الأصول الأعجمية، فكان أن بدأ الصدر يحظى بالقبول وسط هذه الفئات، وازدادت شعبيته يوما بعد يوم، وأخذ جمهوره بالاتساع في محافظات العراق الجنوبية ولا سيما المناطق الفقيرة فيها.
وبدأ الصدر أول ما بدأ بانتقاد الحوزة التقليدية، ونعتها بـ(الحوزة الصامتة)، وهي التي اكتفت –حسب رأيه- بإفتاء الناس في مسائل الفروع وتغافلت عن أصول المذهب، كما عاب عليها طبقيتها وتعاليها على الفقراء الشيعة، وممالأتها لنظام صدام حسين.
وكان من الطبيعي أن تثير هذه التحركات الكثير من ردود الأفعال الغاضبة والحانقة في الوسط الحوزوي و الشيعي المخالف، فاتهم الصدر بانتمائه لحزب البعث، وبدعم صدام حسين له؛ باعتباره مرجعا عربيا، إلى أن جاءت نهايته باغتياله وولديه على يد مجهولين، اختلف في من يقف وراءهم بين متهم للحكومة العراقية ومتهم لإيران، على اعتبار منافسة الصدر للمراجع الإيرانيين في العراق، وبعد اغتيال الصدر خفت صوت ما يعرف بـ(الحوزة الناطقة) إلى أن جاء الإحتلال الأمريكي.
التأسيس وأبرز الشخصيات:
كما أسلفنا فإن محمد محمد باقر الصدر هو مؤسس هذا التيار، وهو إبن اخ محمد باقر الصدر مؤسس حزب الدعوة، وقد كان الصدر الثاني يعد إبنه الكبير ليخلفه في قيادة التيار الصدري، لكن حادث الإغتيال جاء أسرع، فعاش هذا التيار في فراغ فكري كبير، كان الغموض هو سيد الموقف فيه، وذلك بسبب الوضع السياسي والأمني الذي كان يعيشه العراق آنذاك، إلى أن جاء الإحتلال الأمريكي، وبدأت الكثير من أسرار تلك المرحلة تتكشف، واتضح أن صراعات كبيرة كانت تجري في الخفاء على خلافة محمد محمد صادق الصدر بين تلاميذه المتناحرين وعائلته، وبدأ الناس يسمعون عن الصراع المرير بين كاظم الحائري ومحمد اليعقوبي تلميذي الصدر، وظهر إسم إبن الصدر مقتدى الذي وعلى ما يبدو فوجىء باحتلال العراق وبدأ يتعامل مع الوضع الجديد بطريقة اصبحت متندرا للكثير من العراقيين.
لم يقتصر الصراع بين هذه الأطراف، بل وظهرت مجموعات مسلحة تدعي انتماءها لتيار الصدر وأحقيتها بخلافته، كجماعة (القاضي اليماني) أو من عرفوا لاحقا بـ(جند السماء)، ومجموعة أحمد الحسني البغدادي، وجماعة فاضل المالكي، ومجموعة محمود الحسني الصرخي، وغيرهم، إلا أن مسار الأحداث فيما بعد قد حسم قضية خلافة الصدر لصالح إبنه مقتدى، رغم عدم أهليته السياسية والعلمية وفق المنظور الشيعي.
وبسبب عدم تمكنه من قيادة تياره وافتقاده لأي كاريزما، تحول التيار بقيادة مقتدى إلى عدة مجموعات لا يربط بينها رابط؛ سوى الولاء الرسمي لمقتدى الصدر، الذي أعلن مؤخرا عن مغادرته لإيران من أجل تلقي (العلوم الدينية) في قم.
التيار الصدري فكريا:
تعتبر مسألة (المهدي المنتظر) قضية أساسية في فكر التيار الصدري، إذ يكاد يتمحور فكر الصدر الثاني ونظريته في التغيير حول هذه القضية، وقد بذل الصدر الكثير من وقته في الحديث عن هذا الموضوع، وألف عدة مؤلفات ناقشته، منها (موسوعة الإمام المهدي)، و(تاريخ ما بعد الظهور).
ويبدو من قراءة متأنية لأفكار الصدر الثاني أن هذه القضية استخدمت فيما يشبه التخدير لجمهور التيار؛ الغارق في الفقر والمشاكل الإقتصادية والاجتماعية، واستطاعت أن تكسب ثقة الكثيرين من هؤلاء عن طريق هذا الباب، هذا بالإضافة إلى الخدمات الإجتماعية التي كانت تقدم للأتباع، وخطب الصدر التي كان يلمح فيها لانتقاد صدام حسين، وهو ما وجد فيه الكثيرون متنفسا لهم حينذاك.
أما في بقية القضايا فإن فكر الصدر الثاني لا يخرج عن نطاق المدرسة الإثناعشرية بكل تفاصيلها، رغم ما عرف عن الصدر من دعوته للتآخي مع أهل السنة والوقوف معهم ضد أمريكا و(إسرائيل)، ودعوته لصلاة الجمعة الموحدة معهم؛ إلا أن هذه الشعارات كغيرها من شعارات الأحزاب الشيعية الأخرى ظهر زيفها وعدم مصداقيتها، بل وأصبح هذا التيار فيما بعد هو العدو الميداني الأول لأهل السنة، وجزارهم في كثير من المناطق وخاصة في بغداد.
المجموعات المنتمية للتيار الصدري:
ظلت المجموعة الأكثير تأثيرا في التيار تابعة لمقتدى الصدر، إلا أن الكثير من المجموعات الأخرى ادعت تمثيلها الحقيقي لفكر التيار، ومن أبرز المجموعات التي تعلن انتماءها لفكر الصدر:
1- التيار الصدري الرئيسي، بقيادة مقتدى الصدر، وحوله مجموعة من المعممين وغيرهم، كعبد الهادي الدراجي، وصلاح العبيدي، وحازم الأعرجي، وإيهاب الأعرجي، وغيرهم، ويعلن هؤلاء أن مرجعهم بعد مقتل محمد الصدر هو كاظم الحائري المقيم حاليا في إيران.
2- حزب الفضيلة، ويرأسه حاليا هاشم الهاشمي، ويعلن ولاءه لمحمد اليعقوبي تلميذ الصدر، وينشط هؤلاء في البصرة حيث مركز ثقلهم وسيطرتهم، وقد نشطت عملية تهريب النفط لإيران ودول أخرى في عهد محافظهم محمد مصبح الوائلي، كما تعرض أهل السنة بالبصرة في عهدهم لهجمة شرسة هدفت إلى استئصال وجودهم التاريخي في البصرة خاصة والجنوب العراقي عامة، وتتراوح علاقة هذا التيار بإيران مدا وجزرا بحسب تفاوت المصالح، وعدم التفات إيران لهذا الحزب ودعمهم لآخرين، مما ولد ردود فعل غير إيجابية عند الحزب تجاه هذا التجاهل الإيراني، إلا أن هذه العلاقة قد استقرت مؤخرا بعد دخول الحزب في الائتلاف الشيعي الجديد.
3- مجموعة محمود الصرخي، وهي مجموعة صغيرة تنشط في كربلاء وبعض المناطق الأخرى، وتتبنى خطابا متشددا تجاه الحكومة العراقية وإيران والأحزاب الشيعية الأخرى.
4- جماعة (القاضي اليماني)، أو (جند السماء) كما عرفوا في وسائل الإعلام، وقد رفع هؤلاء السلاح في وجه مليشيات الأحزاب الشيعية الأخرى؛ فتمت تصفيتهم والكثير من نسائهم وأطفالهم من قبل هذه الأحزاب، وما زال بقايا هذه الجماعة تنشط في بعض مناطق الجنوب بعيدا عن عين الرقيب الحكومي، وفكر هذه الجماعة غامض بسبب التعتيم الإعلامي الرسمي عليهم ومحاربة الأحزاب الشيعية الأخرى لهم، لكنهم كما يبدوا ينتظرون (المهدي) على طريقتهم الخاصة برفع السلاح على من يعتبرونه يؤخر ظهوره من أحزاب ومليشيات.
5- مجموعات صغيرة غير واضحة الملامح الفكرية والسياسية، تنتمي إلى لافتات معممين عديمي التأثير في الوسط الشيعي العراقي، كأحمد الحسني البغدادي، وفاضل المالكي، وغيرهما.
ورغم ادعاء هذه المجموعات جميعا السير على (خط) الصدر، إلا أن العداوة مستحكمة بينها بشكل كبير، ولا سيما بين التيار الصدري الرئيسي وحزب الفضيلة، الذي ينازع التيار مشروعيته في الوسط الشيعي، باعتبار قيادة اليعقوبي تلميذ الصدر لحزب الفضيلة.
التيار الصدري و(جيش المهدي):
أعلن مقتدى الصدر ومنذ الأيام الأولى للاحتلال تشكيل ما يعرف بـ(جيش المهدي)، لـ(مواجهة الإحتلال وأعوانه)، ودخل الجيش في عدة صدامات على الأمريكان على خلفية الصراع الشيعي - الشيعي حول موارد الأضرحة والهيمنة في المراقد، إلا بندقية (جيش المهدي) بدأت بالاتجاه إلى أهل السنة، بعد أن كان مسلحو هذه المليشيا يدعون توحدهم مع فصائل المقاومة في وجه الإحتلال الأمريكي، وقد بدأ هذا التحول الخطير في استهداف أهل السنة في عهد إبراهيم الجعفري الذي دفع بمقاتلي مليشيا (جيش المهدي) للانخراط في قوات الجيش والشرطة.
إلا أن الكارثة الكبرى ظهرت بعد تفجير مرقد الإمام العسكري في سامراء؛ حيث تحول استهداف (جيش المهدي) بصورة علنية لكل ما هو سني، وذبح آلاف الشباب على الهوية لمجرد انتمائهم السني، وساهمت مليشيا الصدر في تغيير خارطة بغداد الديمغرافية، عبر تهجير آلاف العوائل السنية من المناطق المختلطة أو ذات الأكثرية الشيعية، وتفنن مقاتلو جيش المهدي في قتل وتعذيب أهل السنة بطرق يندى لها الجبين ذكرت العالم بمجازر الصرب في البوسنة وغيرها من مآسي القرن العشرين، حيث حرق الأطفال أحياءا، وسحل الأئمة والمشايخ، وتدمير المساجد والمصاحف وتفجير المنارات، وما إلى ذلك، مما وثقته عدسات وسائل الإعلام لتبقى شاهدة على حجم مصداقية دعاة (الوحدة الإسلامية) المزعومون.
وقد دخلت إيران بقوة على خط (جيش المهدي) وساهمت بتدريب الآلاف منهم على يد الحرس الثوري بزعامة الجنرال قاسم سليماني، وبدأت في تقسيم مهام جيش المهدي، فظهرت أكثر من مجموعة تتبنى كل واحدة منها عملا وظيفيا قائما بذاته، فتخصصت (عصائب أهل الحق) ومجموعات أخرى صغيرة في قتال الأمريكان، وتولت مجموعات أخرى تعلن عن نفسها بين الفينة والأخرى قتال أهل السنة وتهجيرهم، ممن يطلق عليهم التيار الصدري (النواصب) وفق المفهوم الشيعي التقليدي.
وقد زاد من قوة العلاقة بين إيران والتيار الصدري ومليشياته؛ ذهاب مقتدى الصدر للدراسة في قم على يد مراجع إيرانيين، مما كان له أكبر الاثر في ابتلاع التيار الصدري إيرانيا، وإعادة تأسيس مراكز القوى بداخله بما يخدم المصالح الإيرانية.
التيار الصدري إعلاميا:
بالرغم من اتساع حجم مؤيدي هذا التيار في الساحة الشيعية؛ إلا أن تأثيره الإعلامي يكاد يكون معدوما لعدة أسباب، على رأسها المستوى الثقافي المتواضع لأغلب منتسبي التيار، مقارنة بغيرهم من القوى الشيعية التي تحتضن كوادر مثقفة سبق لها التدرب والعمل خارج العراق، ومن أبرز مؤسسات التيار الإعلامية:
1-قناة العهد الفضائية: وهي قناة أطلقت حديثا على قمر النايل سات.
2- موقع (الممهدون): ويتبنى هذا الموقع رؤية (الخط المقاتل) داخل التيار الصدري، وهو بالطبع يجمع بين الأمريكيين و(النواصب) أو أهل السنة وخاصة المقاومين منهم؛ في قائمة أعدائه.
خاتمة:
يعتبر التيار الصدري مثالا حيا لحالة الفوضى والتشظي التي تعيشها الساحة الشيعية، وإن سعت الأطراف المؤثرة فيها إلى إخفاء هذه الحقيقة، كما يمثل التيار الحالة للطبيعية لما يمكن أن يسمى بـ(هلامية) المواقف داخل الأحزاب الشيعية، تبعا لمن يدفع اكثر، ومن يحتضن ويفتح الأبواب.
وقد استطاع التيار، وخاصة في السنتين الأوليين من الإحتلال دفع الكثيرين خارج العراق وداخله للاعتقاد بأن التيار الصدري يمثل حالة وطنية شيعية، ترفض الإحتلال والطائفية السياسية، لكن تطور الأحداث السياسية والميدانية أثبت عظم خطأ هذه الرؤية، التي لا تنطبق أيا من تفاصيل جزئياتها على حالة التيار الصدري، ولعل دخول التيار، وللمرة الثانية على التوالي في الائتلاف الشيعي دليل واضح على توجهه الطائفي، والذي لا يختلف عن نظرائه في الساحة الشيعية؛ إن لم يكن يفوقهم، وسيحتفظ تاريخ العراق بالكثير من الذكريات المريرة عن الفترة التي نشظت فيها مليشيات هذا التيار، وقتلت فيها الآلاف من شباب أهل السنة الأبرياء باسم التشيع والولاء لأهل البيت، وتحالف في سبيل هذه الغاية حتى مع الأمريكيين الذي غضوا الطرف عنه وعن ما يقوم به من جرائم.
وفي الوقت الحالي يمكن القول أن فاعلية التيار الصدري قد ولت بصورة لا تقبل مجالال للنقاش، وتفتت (جيش المهدي) إلى مجموعات تتنازع على الغنائم والمصالح الشخصية، وبعد عملية (صولة الفرسان) والتي استهدف بها من التيار من قبل حليفه السابق المالكي؛ فقد التيار الكثير من معاقله وخاصة في مدينة البصرة والجنوب عموما، وجاءت نتائج انتخابات مجالس المحافظات لتؤكد هذا، بما يدعو للاعتقاد بتلاشي تأثير هذا التيار تدريجيا، ولعل الأشهر المقبلة قد تكشف الكثير في هذا الصدد.
خاتمة الدراسة:
سلطنا الضوء من خلال هذه الدراسة على ثلاثة من أهم التيارات الناشطة في الوسط المذهبي الشيعي، ولا يعني هذا عدم وجود غيرها؛ إلا أن أثر هذا (الغير) ضعيف إن لم يكن معدوما في ظل هيمنة هذه الأطراف ومحاولتها لابتلاع مخالفيها، ورغم الإختلافات التي لا حصر لها بين هذه التيارات، والتي يختلط فيها الديني بالمادي بالشخصي، إلا أننا يمكننا وضع قواسم مشتركة بينها جميعا، تتمثل في الآتي:
1- تبني هذه التيارات جميعا لقضية وهمية هي (اضطهاد الشيعة) في العصور السابقة، وهي دعوى باطلة لا تستند على أية حقائق تاريخية، وأول من نظر لها هو الكاتب اليهودي حنا بطاطو وتابعه فيها كتاب شيعة بقصد أو بدون قصد؛ إلى أن تلقفتها الأحزاب الشيعية، وبنت آيدلوجياتها القائمة على استئصال الآخر السني ومحوه حولها، ويلحق بهذه الدعوى دعوى وهمية آخرى تؤمن بها هذه التيارات وهي ادعاء الأغلبية الشيعية في العراق، وهي ما نسفتها حقائق البحث الأكاديمي بعد الإحتلال ووقائع الأحداث الميدانية.
2- التعاون المباشر وغير المباشر مع الإحتلال الأمريكي، بصورة جعلت زعيم المجلس الاعلى السابق محمد باقر الحكيم يفتي بالتعاون مع الأمريكيين لاحتلال العراق، وهو ذات الموقف الذي اتخذه المراجع الشيعة البقية وعلى رأسهم السيستاني، وحتى من يدعون خلاف ذلك كالتيار الصدري، فإن الوقائع قد اثبتت تعاونهم الكبير مع المحتلين، وخاصة في أيام الحرب الطائفية عامي 2006 و 2007م.
3- رغم الإختلافات الكبيرة بين هذه الأحزاب والتيارات، والتي كثيرا ما وصلت إلى حد التصفية الجسدية؛ فإنها جميعا تتوحد في مواجهة من يعتبرونهم خصوما لهم وعلى رأسهم أهل السنة، ويبدو أن هناك اتفاقات عقدت بهذا الخصوص تنص على قطع الطريق على أي محاولة سنية لاسترداد ولو شيئا بسيطا من الإستحقاقات السياسية وحتى الديمغرافية، ويتجلى هذا مثلا في الموقف من عودة البعثيين، والعلاقات مع الدول العربية، وغير ذلك.
4- تختلف درجة العلاقة ما بين هذه الأحزاب والقوى وبين إيران، إلا أنها في المحصلة تصب في خانة التبعية السياسية والثقافية وحتى الإقتصادية لإيران، بدرجات متفاوتة، دون أن يجرؤ أي طرف على الإشارة إلى إيران بسوء رغم تدخلها السافر في الشأن العراقي بصورة تحرج في الكثير من الأحيان الأحزاب الشيعية ذاتها أمام الأمريكان؛ باستثناء بعض التصريحات (الخجولة) في سياق المزايدات الإنتخابية أو العتب على إيران لتخليها عن هذا الطرف الشيعي أو ذاك، وفي الغالب فإنه سرعان ما يعتذر عن هذه الإشارات.
5- رغم استلامهم للحكم ولأكثر من ست سنوات بالتواطؤ مع المحتل الأمريكي؛ فإن الأحزاب الشيعية لا تمتلك حتى الآن أي تصور واضح للحكم، وهي لم تكوّن طيلة هذه الفترة ملامح لمشروعها السياسي، حيث أن كل ما يمكن تسجيله على تجربتهم السياسية هو قيامها على روح الثأر والانتقام، والخوف المرضي من الآخر السني؛ بل إن الكثيرين منهم يسابقون الزمن في محاولة تحقيق أكبر قدر من المكاسب المادية والإفلات بها، لأن الشعور بعدم الإستقرار والخوف من المستقبل الذي قد لا يكون في صالحهم يسكن في أعماق الكثيرين من ساستهم.
وأخيرا، فإن تفاصيل المشهد السياسي الشيعي تحتفظ بالكثير من الغموض والضبابية التي تجعل الحديث عن هذه الأحزاب بصورة واضحة أمرا صعبا ويحتاج للكثير من الدراسة والبحث والتثبت، ولأن صراع القوى الرافضة للاحتلال يقوم أساسا مع هذه الأحزاب والتيارات التي دخل معظمها وراء الدبابة الأمريكية؛ فإن هذا يستوجب إيلاء هذا الموضوع الكثير من العناية، حتى تعرف الأجيال اللاحقة قصة من جاءوا بالإحتلالين الأمريكي والإيراني، وطبلوا لهما وكانوا العيون الساهرة لاستمرارهما، وحتى تعرف الأجيال اللاحقة من دمر العراق، ومن سرق ثرواته، ومن مزق هويته الوطنية وأراد بيعها في سوق النخاسة، ومن فرق بين أبناء البلد الواحد، ومن أحال مدنا كاملة إلى خرائب، وبقاعا خضراء يانعة إلى أراض مقفرة جدباء.
هذا والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.