بسم الله الرحمن الرحيم
حرارة في دم بارد
الحمد لله رب العالمين أحمده على قديم إحسانه، وتواتر نعمه، وصلى الله على محمد عبده ورسوله ونبيه، وأمينه على وحيه وعباده، صلاة تكون له رضاً، ولنا بها مغفرة، وعلى آله أجمعين وسلم تسليما كثيراً طيباً..
أما بعد:
فقد جرت يوم أمس محاكمة توني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق أمام لجنة تشيلكوت على جريمته في الاشتراك بالحرب على العراق في آذار / 2003 والتي مازال الشعب العراقي يكتوي بنارها حتى الآن ، وتوحي هذه المحاكمة بعدة دلالات من أهمها :
أولا: إن قيام البريطانيين بمحاكمة رئيس وزراءهم دليل على إقرارهم بالهزيمة في حرب العراق ولما كان طرفا النزاع هما المقاومة العراقية المؤمنة من جهة والحلف الأمريكي البريطاني ومن خلفه قوات الصليب من جهة أخرى ، وعندما يُعلن أحد الطرفين في معادلة الصراع عن هزيمته فهذا يعني أن خصمه قد حقق النصر، والفضل ما شهدت به الأعداء، ويضاف هذا النصر إلى رصيد الانتصارات السياسية الكبيرة التي حققتها المقاومة العراقية عبر مسيرتها الجهادية، فمهما حاول خصوم المقاومة غمطها حقها أو إغماض العين عن انجازاتها المتوالية فلن يستطيعوا أن يغطوا عين الشمس بغربال، فوزير دفاع أمريكا (المنتفش كبرا) رامسفيلد قد أقصي بسبب عجزه في العراق، والانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي عام 2006 قد شهدت إقصاء الجمهوريين لصالح خصومهم الديمقراطيين وشهد الأمريكان أنفسهم أن ورقة المقاومة العراقية كانت الورقة الأثقل في صندوق الاقتراع الأمريكي، وتَوّجت المقاومة انتصارها بإقصاء الحزب الجمهوري عن سدة الرئاسة الأمريكية وأصبح شعار سحب القوات الأمريكية من العراق هو الشعار الأكثر بريقاً في انتخابات الرئاسة واتى أكله في رئيس يناقض لونه لون البيت الذي قدم ليسوده.
ثانيا: إن لندن التي جرى فيها التوقيع من قبل أحزاب الشر التي تسمى (المعارضة العراقية) حينها على وثيقة الموافقة على احتلال العراق أمام بلير ، هاهي ذي لندن نفسها تشهد بلير يقدم للمحاكمة فيها.
دخل بلير القاعة يحيط به حشد هائل من قوات الأمن التي قدمت لحمايته من الجماهير الغاضبة والتي فقدت ذويها في هذه الحرب، أو دفعهم التعاطف مع الآخرين رغم أن البريطانيين مشهورون بدمهم البارد وأجوائهم الثلجية، ولكن رؤية مشهد مثول بلير أمام المحكمة قد سخن الدماء وحرك المشاعر في عاصمة الضباب، هاهي لندن التي استضافت هؤلاء الأفّاقين على أرضها تقدم رأس رئيس وزراءها السابق وواحد من ألمع سياسيِّيها إلى المقصلة السياسية فلماذا يراد من العراقيين أن يصفقوا لجوقة الخونة باسم إنجاح العملية السياسية ؟ فهل أصبحت دماء الانكليز أكثر حرارة من دماء العرب والمسلمين ؟ ما لكم كيف تحكمون ؟، ولئن كان بلير قد ورط شعبه في حرب قد خسروها فقد يغفر له البريطانيون أنه كان يظن أنه يعمل لمصلحتهم ، أما هؤلاء الذين وقّعوا على احتلال العراق أمامه وجاؤوا معه على ظهور دباباته وكانوا يسمون احتلال العراق تحريرا يوم قدموا معه، كيف يُراد منا أن نتعامل معهم وبأي طريقة ؟ كيف لهم أن يسموا هؤلاء حكومة العراق الشرعية ؟ وبأي شريعةٍ يؤمَّر الخائن ؟ وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله عز وجل من الخيانة لشؤمها وقبحها إذ يقول (اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة).
ثالثا: إننا لا نتوقع أن تنزل المحكمة العقاب العادل ببلير وأمثاله فالغرب لا يرى العدل إلا عندما يكون المتخاصمان من بني جنسه وهكذا كانت محاكمة مجرمي الحرب العامة الثانية في أوربا حين أنزلت قوات الحلفاء العقاب الصارم بمجرمي الحرب من الألمان لان الضحايا كانوا غربيين ، ثم إن لجنة التحقيق لم تُحاكم بلير على أساس أكثر من مليون ونصف من العراقيين أزهقت أرواحهم بسبب الحرب والعدوان الذي شاركت به بلادهم ، أو تخريب بلد آمن وتسليمه لشذاذ الآفاق، وإنما عن ال "179" قتيلا من البريطانيين الذي تقول مصادرهم أنهم سقطوا في حرب العراق، إضافة للخسائر المادية، إذن فالمحاكمة تجارية بحتة حيث أن الخسائر كبيرة في نظرهم قياسا بالمردود الهزيل ، ولم تكن محاكمة قِيَميّة على أساس الحق والعدل وإنصاف المظلوم ، لأن الغرب لا يعرف ذلك بعد أن أعرض عن الهدى والدين الحق قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ) فالبغي متأصل في النفسية الغربية فاعرضوا عن الحق بشموله ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) فلم يستضيؤوا بالنور التام فأنى لهم إبصار الطريق ؟ ، ومع كل ذلك تبقى المحاكمة ذات دلالةٍ رمزيةٍ ورسالةٍ واضحة على هزيمة الاحتلال وسيشهد التاريخ بحول الله وقوته مصير المجرمين وأعوانهم .
وصلى الله على عبد الله ورسوله محمد وعلى آله وسلم تسليما كثيرا
د. إبراهيم الشمري
الناطق الرسمي باسم
الجيش الإسلامي في العراق
السبت 14-02-1431 هـ
الموافق 30-01-2010 مـ